أخر الأخبار

موانع التقوى بالدعاء

شاهده : 1419
الدكتور/ محمد أبوزيد الفقى الدكتور/ محمد أبوزيد الفقى



سلسلة قبل الغروب – 96
عوامل السقوط

– القرآن المهجور:

من موانع التقوى كثرة الدعاء بلا عمل ، وقد قلت قبل ذلك :
إن الدعاء بلا عمل سعي بلا أمل ، وفي شهر رمضان خاصة في العشر الأواخر يذهب الناس إلي المساجد ، ويكثرون من الدعاء في القنوت وفي صلاة التهجد ، وكان لزاما علينا أن نتعرض لهذا الموضوع ، لأن رمضان في العصر الحديث أصبح مناسبة لكثرت الأكل والشرب ، والدعاء بالنسبة للجمهور المسلم الطيب ، أما بالنسبة للجمهور الآخر فهو مناسبة للهو واللعب ، والتجارة ، ومشاهدة الأعمال الهابطة في وسائل الإعلام ، ولكننا سنناقش الجمهور المسلم الذي يرجو الآخرة ونبين له موضوع الدعاء وكيف يكون عائقا في طريق التقوى،وسنعرض هذا الموضوع كما يلي :

1- القنوت : لا يوجد قنوت في الصلاة في شهر رمضان عند كل المذاهب ،
ما عدا بعض المتأخرين في المذهب الشافعي ، وقالوا يمكن دعاء القنوت في الوتر في نصف رمضان الأخير ، أما القنوت من أول رمضان فلا تعرفه المذاهب الإسلامية ، وهي عادة شعبية ، و ارتزاق [ أكل عيش ] و أذكر أنني دُعيت للحديث في أحد المساجد الكبيرة ، و ألقيت محاضرة عن العمل العمراني في القرآن الكريم ، وصرفت لِي وزارة الأوقاف ( 70 ) سبعين جنيها عن المحاضرة تبرعت بهم لعمال المسجد ، و أمَّ الناس بعدي رجل يتقن الدعاء ، و أعطاه أحد رجال الأعمال ( 20) عشرين ألف جنيه في الساعة التي دعاها .
2- أن الدعاء لمدة طويلة غير مطلوب و أحيانا يحمل [ سقط في التوحيد ] ، فقد دأب بعض المرتزِقة علي إطالة الدعاء ، وحشر عبارات تستجلب غضب الرب ، وتظهر جهل العبد ، مثل : اللهم تقبل صلاتنا وركوعنا وسجودنا ، فالله تعالي لو قبل الصلاة سيتقبلها كاملة أما ذكر الركوع والسجود ، فهو عنوان علي غباء الداعي ، وعدم أدبه مع سيده ، وهو يدعو ، لأنه كأنه يشرح لربه شيئا لا يعلمه الرب وهو دخول الركوع والسجود في الصلاة ،
و أحيانا يجن الداعي وهو يؤم الناس في صلاة الوتر ، ويقول : يا الله ، فيقول الله : نعم عبدي ، فيقول : يا رحمن ، فيقول الله : نعم عبدي ، وهكذا إلي نهاية الأسماء الحسني و كأنه لا يعرف من ينادي ، ولا مقام من ينادي ، ولو فعلها مع أحد الوزراء ، وقال : يا سيادة الوزير ، فيقول الوزير : نعم ، فيقول :
يا وزير التعليم ، يا دكتور علاء ، يا نصير المظلومين ، يا واضع البرامج الناجحة ، يا متواضع . عند ذلك سيأمر الوزير حرسه بضرب هذا الرجل السفيه بالعصا ، وهكذا الإمام الذي ينادي ربه بالأسماء الحسني دون أن يعرب عما يريد ، فإنه يسقط من عين الله تعالي ، وينظر إليه باعتباره أحد الحيوانات الضالة والمضِلَّة
3- الدعاء المقبول : يعتمد علي ما يلي :
أ – قلة الألفاظ والحروف والوقت .قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لما رأي الصحابة يكثرون من الدعاء [ أيها الناس أن روح القدس نفث في روعي أن لن تموت نفس إلا أن توفي رزقها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب ] رواه ابن ماجه وصححه الألباني وهذا الحديث يعني أن كثرة الدعاء تبدد التقوى وكثرة الدعاء ليست من التقوى علي الإطلاق .
ب_ العمل بجهد قبل الدعاء .
جـ – أن يكون الإنسان في حالة اضطرار ، ودعاء المستحق المضطر ، يقبل من المسلم وغير المسلم علي السواء ، أما الإلحاح في الدعاء بدون محاولة تغيير الواقع ، فهو دعاء مردود علي صاحبه وحديث [ ألحوا في الدعاء ] موضوع ولا وزن له ، والدعاء في القنوت بغير الدعاء المأثور
[ اللهم أهدنا بفضلك فيمن هديت ] هو تحريف للسنة وردٌّ علي صاحبه ، و إذا نظرنا إلي القرآن الكريم نجد ما يلي :
4- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم – لم يدع دعوة واحدة مستقلا بها من أول القرآن لآخره ، وكان الله تعالي يأمره بدعاء لا يستغرق دقيقة واحدة . مثل :
[وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا] ، [ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ َ] (وَقُلْ رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِيْنَ) ، وهكذا .
5- الأنبياء جميعا لم يزد دعاء أحدهم عن نصف صفحة من القرآن الكريم ،
و سيدنا نوح صنع سفينة للنجاة في 40 عاما ، وعندما انتهي من عمله
[فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ] ، والدعاء هنا [ فَانتَصِرْ ] وهو لم يستغرق ثانية واحدة ، ولكن تقبَّل الله منه ، وتم تغيير شكل الكرة الأرضية بناء علي دعوة لم تستغرق ثانية والآيات بكاملها كما يلي في سورة القمر من الآية :15:10
بسم الله الرحمن الرحيم
[ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ*فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ*تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ*وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ]، ولكن في الآية الأخيرة ربُّنا يقول : [ وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ]والمعنى : أن ما حدث لنوح من كثرة العمل وقلة الدعاء و الاستجابة فهذا يعتبر آية ، فهل نجد من يفهم القرآن .

6- الآيات التي جاءت في القرآن الكريم عن الدعاء :
الآية الأولي : هي قوله تعالي :
[ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ] سورة البقرة الآية (186)
هذه الآية من الآيات التي تتكرركثيرا علي ألسنة الناس ، وخاصة الذين يتصدرون الوعظ و الإرشاد ، ويركزون علي أن الله تعالي قال لرسوله :
[ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ … ] ولم يقل له { قل } وهذا يدل من وجهة نظرهم علي أن باب الدعاء مفتوح علي مصراعيه – سداح مداح – ولم يتنبه أحد إلي أن الدعاء في هذه الآية مقيد جدا ، وقبوله في منتهى العسر لعدة أسباب
أ – أن الله تعالي يقول [عِبَادِي ] عبادي هذه تحتاج إلي مؤهلات .
ب – أن الله تعالي يقول {قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ }ويربط الاستجابة بشرطين :
الشرط الأول – [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ] والاستجابة لله تعالي تحتاج تنفيذ أوامره
و اجتناب نواهيه ، و أن يكون قلب العبد مع الله دوما في كل تقلبات حياته ،
من خير وشر ، من نفع و ضر ، من صحة ومرض ، من غني وفقر ، من عز وذل . هذه هي الاستجابة لله تعالي
الشرط الثاني : الإيمان بالله تعالي إيمانا خالصا ، صالحا ، علي مقاييس الإيمان في القرآن الكريم .
الشرط الثالث – [ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ] ولم يقل الحق تعالي سيرشدون ولكن قال
” لعلهم ” ليفتح باب الأمل والاجتهاد والعمل بصدق في أمور الدين والحياة .
هذا كله في وقت العافية ، أما في حالة الاضطرار فالدعاء مقبول من المسلم ومن غير المسلم .
الآية الثانية : والناس يعتمدون علي هذه الآية أكثر من السابقة وهي قوله تعالي :
[وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ] سورة غافر(60) فالمسلمون يحتفلون بهذه الآية احتفالا كبيرا ، لدرجة أنهم صنعوا منها فواصل في إذاعة القرآن الكريم ، والفاصل يقول :
[وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ..] وهذا الفهم السقيم تقابله قسوة قلوب الناس ، و اعتياد علي كل واحد منهم أن يفعل ما يشاء ، وبعد فترة يدعو ربه فيستجيب له علي الفور ، والآية الكريمة لا علاقة لها بالدعاء علي الإطلاق
ولا باستجابة هذا الدعاء لأن [ادْعُونِي … ] في هذه الآية بمعني أعبدوني بدليل قوله تعالي [إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ] . فالدعاء هنا بمعني العبادة ولا علاقة له بالسؤال ولا بالتسول .
ـــ و هناك ملاحظة هامة جعلت الأنبياء والمرسلين لا يدعون كثيرا ، ويتحرجون من كثرة الدعاء ، وهذه الملاحظة هي أن الدعاء أوامر تصدر من العبد إلي الرب ، وقالوا في علوم البلاغة أن الطلب من الأدنى إلي الأعلى ، يعني الاستعطاف وهذا صحيح ، إلا أنه يبقي في جوهره أمر – أرزقني – وفقني – أفعل لي كذا – نجَّح ابني – ويمكن أن يكون الولد فاسدا لا يستحق النجاح – إلي أخر هذه الأوامر ، فهيبة الرب في قلب العبد تجعله لا يدعو إلا في الضرورة القصوى ، مثل ما فعل النبي المصطفي سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم .

** أناشدكم أيها المؤمنون العمل ثم العمل ثم العمل ثم الدعاء دون إكثار حتى
لا نحصل من دعائنا الكثير علي نتائج عكسية ، مثلما حدث مع إسرائيل ، فقد ظل العالم العربي بعلمائه و أوليائه ومنافقيه و دجاليه ، يدعون علي إسرائيل بالخراب والدمار ولا يعملون شيئا للتغلب عليها وتحرير أرض فلسطين ، وبعد ثمانية وستين عاما من الدعاء علي المنابر وفي البيوت والأندية و أجهزة الإعلام العربي ، حل الخراب بالدول العربية جميعا ، و أصبحت إسرائيل هي الدولة الوحيدة القوية في المنطقة لا بسبب خير تفعله ولكن بسبب معاصينا وتكاسلنا في كل المجالات ، والله لا يتقبل دعاء الكسالى والغشاشين ، والمجرمين ، والذين تلوثت أيديهم بعِرْض أمة ، كانت غاية في القوة ، والطهارة .
وقَّدم الدجالون الدعاء للأمة العربية علي أنه بديل عن الجهاد والحرب وطلبوا من الله تعالي أن يقوم بالنيابة عنهم بتدمير إسرائيل ، وهذا الدعاء نوع من المخدرات المغشوشة التي تصرف للجماهير العربية ثلاث مرات كل يوم .

يقول الله تعالي لرسوله الكريم :
[ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ] سورة ق الآية (45)
لاحظ هنا ذَّكر بالقرآن أرجو وضع خطوط كثيرة تحت كلمة القرآن و أنظر وتفكر في هجرنا للقرآن الكريم ، و استبداله بخرافات الأزمنة الغابرة والأطياف المخادعة العابرة . وهو الحق الوحيد الذي لا يتغيَّر أبدا

بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم



تعليقات الفيس بووك

موضوعات متعلقة